محمد بن جرير الطبري

126

جامع البيان عن تأويل آي القرآن

بما أغنى عن إعادته في هذا الموضع . ويزيد ذلك إيضاحا قول الله عز وجل : وأنه خلق الزوجين الذكر والأنثى فسمى الاثنين الذكر والأنثى زوجين . وإنما عنى بقوله : من كل زوجين اثنين : نوعين وضربين . وقوله : يغشى الليل النهار يقول : يجلل الليل النهار فيلبسه ظلمته ، والنهار الليل بضيائه . كما : حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة ، قوله : يغشي الليل النهار : أي يلبس الليل النهار . وقوله : إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون يقول تعالى ذكره : إن فيما وصفت وذكرت من عجائب خلق الله وعظيم قدرته التي خلق بها هذه الأشياء ، لدلالات وحججا وعظات ، لقوم يتفكرون فيها فيستدلون ويعتبرون بها ، فيعلمون أن العبادة لا تصلح ولا تجوز إلا لمن خلقها ودبرها دون غيره من الآلهة والأصنام التي لا تقدر على ضر ولا نفع ولا لشئ غيرها ، إلا لمن أنشأ ذلك فأحدثه من غير شئ تبارك وتعالى ، وأن القدرة التي أبدع بها ذلك هي القدرة التي لا يتعذر عليه إحياء من هلك من خلقه وإعادة ما فني منه وابتداع ما شاء ابتداعه بها . القول في تأويل قوله تعالى : ( وفي الأرض قطع متجاورات وجنات من أعناب وزرع ونخيل صنوان وغير صنوان يسقى بماء واحد ونفضل بعضها على بعض في الأكل إن في ذلك لآيات لقوم يعقلون ) يقول تعالى ذكره : وفي الأرض قطع متجاورات : وفي الأرض قطع منها متقاربات متدانيات يقرب بعضها من بعض بالجوار ، وتختلف بالتفاضل مع تجاورها وقرب بعضها من بعض ، فمنها قطعة سبخة لا تنبت شيئا في جوار قطعة طيبة تنبت وتنفع . وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثنا أبو كريب ، قال : ثنا وكيع ، عن سفيان ، عن ليث ، عن مجاهد : وفي الأرض قطع متجاورات قال : السبخة والعذية ، والمالح والطيب .